أبي طالب المكي

341

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أين . هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي أنّه رأى صاحبا له عليه قميص جديد فقال : من أين لك هذا ؟ قال : كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أنّ أهله علموا به ما قبلته ، ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فردّه ودفع إليه آخر شيئا في السرّ فقبله ، فقيل له في ذلك فقال : إنّ هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في معاملته فقبلنا عمله ، والذي أظهر معروفه أساء في الأدب في المعاملة فرددنا عمله عليه . ودفع بعض الناس إلى بعض الصوفية شيئا بين الملاء فردّه فقيل له : لم تردّ على الله عزّ وجلّ ما أعطاك ؟ فقال : إنك أشركت غير الله سبحانه وتعالى فيما لله ، ولم تقنع بعين الله عزّ وجلّ فرددت عليك شركك . وقد كان بعض العلماء لا يقبل في العلانية ويأخذ في السرّ سئل عن ذلك فقال : إنّ في إظهار الصدقة إذلالا للعلم وامتهانا لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله . وكذلك حدثنا أنّ رجلا دفع إلى بعض العارفين شيئا علانية فردّه ثم دفعه إليه في السرّ فقبله . فقيل له : رددت في الجهر وقبلت في السرّ ؟ فقال : لأنك أطعت الله تعالى في السرّ فأعنتك على برّك بقبوله ، وعصيته بالجهر فلم أكن عونا لك على المعصية . وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أنّ أحدهم لا يذكر صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته ، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله تعالى إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله من أعمال السرّ ، وهو أيضا لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها . وقال في الحديث الآخر : أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا ، فجعل الورق هدية كالهدايا ، وهو من أفضلها . كما قال : لأنه قيّم الأشياء ، فهذا الآخذ للهدية جهرا يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلَّا أن يهبوا ذلك له ، فإن لم يفعل لم يعجبني ذلك . وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أنّ الإظهار للآخذ أفضل ، لأنه أسلم له ، وأدخل في الإخلاص والصدق ، وأخرج من الثبات والقدر والمنزلة والجاه بالردّ والزهد . وقد قال الله سبحانه : * ( لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) * [ النساء : 84 ] ، قالوا : فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا وحكم حالنا من إسقاط جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس . بتولي الله عزّ وجلّ من ذلك من به ابتلاه . وقالوا : ولأن في التوحيد أنّ الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للردّ عليه في الظاهر . وقد قال بعضهم : سرّ العارف وعلانيته واحد ، لأن المعبود فيهما واحد ، فاختلاف فعل أحدهما شرك في التوحيد . وقال بعض العارفين : كنا لا نعبؤ بدعاء من يأخذ في السرّ فرفع يده به علانية . ثم قال : هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا أفضل والسرّ في أمور الآخرة أفضل . وقال بعض المريدين : سألت